ازدواجية المنهج وحماية الحقوق: دراسة مقارنة بين القانونين المصري والفرنسي بقلم الأستاذ الدكتور السيد شعبان عبده أستاذ القانون الإداري والدستوري والمحاضر بكليات الحقوق والاكاديميه العربيه للعلوم والتكنولوجيا – عضو الجمعية الفرنسية للقانون الدستوري
ازدواجية المنهج وحماية الحقوق: دراسة مقارنة بين القانونين المصري والفرنسي
بقلم الأستاذ الدكتور السيد شعبان عبده
أستاذ القانون الإداري والدستوري – عضو الجمعية الفرنسية للقانون الدستوري
⸻
استهلال: وحدة الأصل وتمايز المسار
يُجمع فقهاء القانون المقارن على أن القانون المصري يُعد—من حيث النشأة والتقنية—امتدادًا أصيلًا للمدرسة اللاتينية الفرنسية. فمنذ تقنينات القرن التاسع عشر التي تبلورت مع كود نابليون، وصولًا إلى العبقرية التقنينية التي صاغها الدكتور عبد الرزاق السنهوري، تشكّل جسر معرفي متين بين الضفتين. غير أن هذا الجسر لم يكن طريقًا باتجاه واحد؛ إذ سرعان ما أعادت البيئة الاجتماعية والسياسية والقضائية المصرية تشكيل القواعد المستوردة، لتنتج نموذجًا وطنيًا له خصوصيته في تصور الحقوق وضماناتها.
ومن هنا تتبدّى ازدواجية المنهج: وحدة في الأصل والمفاهيم، وتمايز في التطبيق والمسار، ولا سيما حين يتعلق الأمر بحماية الحقوق والحريات في مواجهة السلطة.
⸻
أولًا: كفالة الحقوق في مواجهة الإدارة (مجلس الدولة نموذجًا)
يمثل القضاء الإداري في كل من مصر وفرنسا الحصن الأمتن لحماية الأفراد من تعسف الإدارة، وتجسيدًا حيًا لمبدأ سيادة القانون.
1) فرنسا: صرامة المشروعية وتراكم السوابق
يُعد Conseil d’État أحد أعمدة الدولة القانونية الحديثة. فقد رسّخ—عبر تراكم قضائي ممتد—مبدأ المشروعية بمعناه الواسع: خضوع الإدارة للقانون، وللمبادئ العامة للقانون، وللمواثيق الدستورية والاتفاقيات الدولية.
ومن خلال أدوات مثل قضاء الإلغاء، ونظرية الانحراف بالسلطة، ومبدأ التناسب، استطاع القضاء الإداري الفرنسي ضبط حركة الإدارة دون شلّها، وتحقيق توازن دقيق بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد.
2) مصر: توطين المفهوم وتوسيعه
استلهم مجلس الدولة المصري هذا البناء، لكنه لم يكتفِ بنقله؛ بل وسّعه وعمّقه. فقد أسهم القضاء الإداري المصري في تطوير مبادئ الأمن القانوني وحماية الثقة المشروعة واستقرار المراكز القانونية، بما جعل الرقابة القضائية أكثر حساسية لواقع المجتمع وتحولاته.
وفي كثير من الأحكام، ذهب القضاء المصري إلى حماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية بوصفها جزءًا لا يتجزأ من فكرة المشروعية، لا مجرد امتيازات إدارية قابلة للسحب.
3) الرابط المنهجي
يظل قضاء الإلغاء الأداة المشتركة الأبرز بين النظامين؛ فهو “سيف العدالة” الذي يوقف القرار الإداري غير المشروع، ويعيد الاعتبار لقاعدة القانون. ومع ذلك، فإن روح التطبيق المصرية أضفت بعدًا اجتماعيًا أوضح، بينما حافظ النموذج الفرنسي على تقنية قضائية عالية الصياغة والانضباط.
⸻
ثانيًا: المركزية الدستورية وحماية الحريات العامة
إذا كان القضاء الإداري يحمي الحقوق في مواجهة الإدارة، فإن القضاء الدستوري يحميها في مواجهة المشرّع ذاته، بما يجعله قلب الدولة الدستورية النابض.
1) فرنسا: من الرقابة السابقة إلى الانفتاح على المواطن
عرف Conseil Constitutionnel تاريخيًا بنموذج الرقابة السابقة على دستورية القوانين. غير أن إدخال الدفع بعدم الدستورية (QPC) شكّل نقلة نوعية، إذ فتح باب الطعن أمام المواطن العادي أثناء نظر النزاع القضائي.
هذا التحول نقل الدستور من نص سامٍ معزول إلى أداة فعّالة في الحياة اليومية، وأعاد صياغة العلاقة بين الفرد والقانون.
2) مصر: رقابة لاحقة شاملة ودور إنشائي
في المقابل، تميّزت المحكمة الدستورية العليا في مصر برقابة لاحقة واسعة الأفق، جعلت من الدستور مرجعية حاضرة في مختلف منازعات الحقوق والحريات. وقد لعبت المحكمة دورًا إنشائيًا في تطوير المفاهيم الدستورية، خصوصًا في مجالات الحرية الشخصية، وحرية التعبير، والحق في الملكية، ومبدأ المساواة.
وهكذا غدا الدستور—في التجربة المصرية—وثيقة حيّة تُستدعى باستمرار، لا نصًا يُحتكم إليه على فترات متباعدة.
3) المقارنة الجوهرية
يكمن الفارق في نقطة الدخول إلى الرقابة: المواطن في فرنسا بات شريكًا مباشرًا عبر QPC، بينما ظل الطريق في مصر غير مباشر عبر الإحالة القضائية. ومع ذلك، فإن الأثر العملي في حماية الحقوق تقارب إلى حدّ بعيد.
⸻
ثالثًا: التقنين المدني… بين نابليون والسنهوري
يشكّل القانون المدني مرآة الفلسفة الاجتماعية لأي نظام قانوني، ومن ثمّ فإن المقارنة هنا تكشف عمق الاختلاف في الرؤية.
1) فرنسا: الفردية الكلاسيكية
انبنى التقنين المدني الفرنسي في بداياته على فلسفة ليبرالية تُعلي من شأن الفرد وحرية التعاقد، بوصفهما أساس النشاط الاقتصادي والاجتماعي. وقد خدم هذا النموذج مرحلة تاريخية بعينها، لكنه احتاج لاحقًا إلى تدخلات تشريعية وقضائية لتدارك اختلالات السوق.
2) مصر: النزعة الاجتماعية المتوازنة
في المقابل، صاغ السنهوري قانونًا مدنيًا يمزج بين الدقة التقنية الفرنسية وروح العدالة الاجتماعية المستمدة من الفقه الإسلامي والمدارس الحديثة. فقيود التعسف في استعمال الحق، ونظرية الظروف الطارئة، وحماية الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية، كلها مظاهر لنزعة اجتماعية واعية، لم تُلغِ حرية الفرد، لكنها وضعتها في إطار الصالح العام.
⸻
رابعًا: التحديات التشريعية في العصر الرقمي
يفرض التحول الرقمي تحديات غير مسبوقة على كلا النظامين، تتطلب إعادة تفكير في أدوات الحماية القانونية.
1) حق النسيان الرقمي
أقرّ القضاء الأوروبي والفرنسي حق الفرد في محو آثاره الرقمية غير المبررة. ويظل التحدي في مصر هو تقنين هذا الحق بصورة توازن بين حرية التعبير والخصوصية، دون استنساخ أعمى للتجربة الأوروبية.
2) الذكاء الاصطناعي والإدارة الذكية
يثير استخدام الخوارزميات في الإدارة والقضاء أسئلة دستورية دقيقة:
• من المسؤول عن القرار الآلي؟
• كيف نضمن حق الدفاع والشفافية؟
• وما حدود الرقابة القضائية على “عقل صناعي”؟
إن الإجابة تتطلب قواعد دستورية وأخلاقية مشتركة، تضع الإنسان في مركز التشريع الرقمي.
خاتمة: نحو تكامل تشريعي عابر للحدود
ليست العلاقة بين القانونين المصري والفرنسي علاقة تبعية، بل تثاقف قانوني متبادل. ففي مؤسسات البحث والتعليم، مثل معهد لويس فافورو وAix-Marseille University، يتجدد هذا الحوار باستمرار، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن القانون ليس مجرد نصوص جامدة، بل فنٌّ لتحقيق العدالة في سياق متغير.
إن حماية حقوق المواطن تبدأ بفهم هذا البناء الشامخ الذي شاده فقهاء عبر العصور، وما نحن—كقانونيين—إلا حُرّاس لهذه المبادئ، نؤمّن انتقالها إلى الأجيال القادمة في صورة أكثر عدلًا وإنسانية
بواسطة ملك جمعه
في
يناير 28, 2026
تقييم:


ليست هناك تعليقات: