الهجرة النبويه بناء حضارة رحمة للعالمين كتب قلم السلام حمدي قنديل

الهجرة النبوية: بناء حضارة "رحمة للعالمين"

بقلم: فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اليماني (مرشد الصوفية في الصين)

لم تكن الهجرة النبوية المشرفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة مجرد حدث تاريخي عابر، أو مجرد انتقال جغرافي هرباً من الأذى؛ بل كانت في جوهرها نقطة تحول كبرى في تاريخ البشرية، وإعلاناً عن ميلاد فجر جديد لبناء حضارة إنسانية فريدة، قوامها وغايتها الأساسية هي تجسيد الآية الكريمة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}. إننا عندما نتأمل هذا الحدث العظيم من مشرق الأرض، وهنا في الصين حيث يمتد التاريخ الروحي لقرون، ندرك عمق الأبعاد الإنسانية والروحية التي أسستها الهجرة، وكيف يمكن لقيمها أن تكون بلسماً لعالمنا المعاصر.

إن الخطوة الأولى التي قام بها الحبيب المصطفى ﷺ فور وصوله إلى المدينة المنورة كانت وضع أسس التعايش والمؤاخاة؛ فلم يُقصِ أحداً، ولم يغلق الباب أمام التنوع، بل قدم وثيقة المدينة كأول دستور مدني في التاريخ يضمن الحقوق والواجبات للجميع على اختلاف عقائدهم وقبائلهم. هذه هي الرحمة للعالمين في أبهى صورها من خلال تذويب الفوارق الطبقية والعرقية وصهر المجتمع في بوتقة الجسد الواحد، وإرساء قيم العدالة والسلام والأمان لجميع المكونات، فضلاً عن بناء الإنسان من الداخل بالتزكية الروحية ليكون مصدراً للخير أينما حل وارتحل.

وفي المفهوم الصوفي والروحي، لا تقف الهجرة عند حدود الزمان والمكان، بل إنها رحلة مستمرة ومتجددة في قلب كل مؤمن؛ هي هجرة من ظلمة الأنانية والمادية إلى أنوار المحبة والعطاء، وهي هجرة ما نهى الله عنه كما ورد في الأثر الشريف. إن العالم اليوم، بما يشهده من صراعات وجفاف روحي، بحاجة ماسة إلى استلهام أنوار الهجرة النبوية، والانتقال من ثقافة الهدم والتناحر إلى ثقافة البناء والتراحم. إن حضارة الإسلام التي انطلقت من المدينة المنورة لم تنتشر بحد السيف، بل هاجرت إلى قلوب الناس عبر سلوك التجار والصوفية والأتقياء الذين حملوا أخلاق النبوة وساروا بها في أفاق الأرض، فكانوا غيوثاً نافعة أينما هطلت.

ومن هنا، من الصين، حيث تتمازج الحكمة الشرقية مع أنوار الرسالة المحمدية، نؤكد أن المسلمين يحملون أمانة كبرى؛ أمانة تقديم الإسلام كرسالة حب، وسلام، وإعمار. إن الهجرة النبوية تعلمنا أن الحضارات الحقيقية لا تُقاس بالأبراج الشاهقة والماديات الفانية، بل بمقدار ما تحمله من رحمة تظلل الإنسان والكون كله. ليجعل كل منا من ذكرى الهجرة النبوية محطة لمراجعة النفس، وليهجر السلبية إلى الإيجابية، والتباغض إلى التلاحم، لنكون حقاً امتداداً لتلك الحضارة المباركة التي بناها رسول الله ﷺ، حضارة الرحمة واليقين والمحبة للعالمين أجمعين.

إرسال تعليق

أحدث أقدم