كتبت د. عبير شبل
استشاري الصحة النفسية و اللايف كوتش
2 اكتوبر اليوم العالمي للّاعنف
كيف نبني جسور التفاهم بدلاً من جدران الخصام؟
في الثاني من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للّاعنف، وهو التاريخ الذي يوافق ذكرى ميلاد الزعيم الهندي "مهاتما غاندي"، رائد فلسفة المقاومة السلمية. ولكن حين نتحدث عن "اللّاعنف" من منظور الاستشارات النفسية والأسرية واللايف كوتشينج، فإننا لا نقصد فقط غياب الحروب أو النزاعات المسلحة، بل نعني سلوكاً يومياً، وثقافة تجسد السلام الداخلي والقدرة على التواصل البناء مع الذات ومع الآخرين.
اللّاعنف يبدأ من الداخل
السلام مع الذات
كثيرون يعتقدون أن العنف يقتصر على الأذى الجسدي أو اللفظي الموجه للآخرين، لكن أشد أنواع العنف خفاءً وأكثرها تدميراً هو العنف الذاتي.
يتمثل هذا العنف في:
جلد الذات المستمر والصوت الداخلي القاسي عند الوقوع في الخطأ.
إرهاق الجسد والنفس بتحمل أعباء فوق الطاقة دون وضع حدود صحية.
تجاهل المشاعر الأليمة بدل تفهمها واستيعابها.
حين نتعلم كيف نتعامل مع أنفسنا برفق، ونستبدل النقد الهدام بوعي ورعاية ذاتية، نصبح أكثر قدرة على نشر هذا الرفق في محيطنا الأسري والاجتماعي.
*اللّاعنف في العلاقات الزوجية والأسرية*: من الصراع إلى الاحتواء
البيت هو الملاذ الأول، والمدرسة الحقيقية التي يتعلم فيها الأبناء معنى الأمان والتواصل. لكن الصامت والمكتوم من الخلافات قد يكون أحياناً أشد قسوة من الخصام الظاهر.
*في العلاقات الأسرية، يتحقق اللّاعنف من خلال*:
التواصل غير العنيف (Nonviolent Communication):
استبدال لغة الاتهام والتجريح بلغة التعبير عن الاحتياج بوضوح ورفق
الإنصات التعاطفي:
أن نستمع للطرف الآخر بهدف فهم مشاعره واحتياجاته، لا بهدف إعداد الرد أو إثبات الخطأ.
إدارة الغضب بوعي:
التعامل مع الغضب باعتباره مؤشراً لوجود حاجة غير ملباة، وليس رخصة لإيذاء الشريك أو الأبناء لفظياً أو معنوياً.
وقف التربية بالتخويف أو الإهانة:
استبدال العقاب القاسي بالتعليم والدعم، وزرع الثقة في نفوس الأبناء بدلاً من الخوف.
كيف نتبنى ثقافة *اللّاعنف في حياتنا اليومية؟*
(خطوات عملية من واقع الكوتشينج)
مارس التوقف الواعي (The Pause): عندما تشتعل المشاعر أثناء أي نقاش، خذ نفساً عميقاً وتوقف لثوانٍ قبل الرد. هذا التوقف الفاصل هو المكان الذي تولد فيه قراراتك الواعية بدلاً من ردود الفعل العاطفية الاندفاعية.
اعترف بمشاعرك دون حكم: من الطبيعي أن تشعر بالغيظ أو الغضب، فاللّاعنف لا يعني كبت المشاعر، بل يعني إدارة السلوك المترتب عليها.
ضع حدوداً صحية بحزم ورفق: اللّاعنف ليس ضعفاً أو استسلاماً، بل هو قدرة على قول "لا" لحماية مساحتك النفسية، ولكن بأسلوب محترم وواضح دون حاجة للهجوم.
اختر معاركك بذكاء: ليست كل نقطة خلاف تستحق الصراع؛ أحياناً يكون الحفاظ على سلامك النفسي وعلاقتك بالآخر أهم بكثير من إثبات أنك على حق.
*رسالتي لكم في هذا اليوم*
السلام ليس حالة ننتظر أن يمنحها لنا العالم، بل هو اختيار يومي ونمط حياة يبدأ بنبرة صوتك مع نفسك، وينعكس في حديثك مع شريك حياتك، وفي طريقة توجيهك لأطفالك. *لنكن نحن التغيير الذي نرغب في رؤيته فيمن حولنا*

